محمد الغزالي

71

فقه السيرة ( الغزالي )

حياة الكدح عاد محمد عليه الصلاة والسلام من هذه الرحلة ليستأنف مع عمّه حياة الكدح ، فليس من شأن الرجال أن يقعدوا ، ومن قبله كان المرسلون يأكلون من عمل أيديهم ، ويحترفون مهنا شتى ليعيشوا على كسبها . وقد صحّ أن محمدا عليه الصلاة والسلام اشتغل صدر حياته برعي الغنم ، وقال : « كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة » . . . كما ثبت أن عددا من الأنبياء اشتغل برعايتها « 1 » ، أترى ذلك تعويدا لهم على سياسة العامة ، والرفق بالضعفاء والسهر على حمايتهم ؟ . وقد تسأل : أتنقدح المعارف المتصلة بالكون وما وراءه ، والناس وما يفيضون فيه - أتنقدح حقائقها في نفوس المرسلين فجأة ، دون إعداد سابق أو تهيئة حكيمة ؟ . والجواب : كلّا ، فالأنبياء - وإن لم يتعلّموا بالطرق التي يتعلم بها أمثالنا - لهم من سلامة فكرهم واستقامة نظرهم ما يجعلهم في طليعة العلماء وإن لم يتعلّموا بما نعهد من أساليب . ما العلم الذي ترقى به النفس ؟ أهو حفظ الدروس واستيعاب القواعد والقوانين ؟ . إنّ هناك ببغاوات كثيرة تردّد ما تسمع دون وعي ، ولقد نرى أطفالا صغارا يلقون - بإتقان وتمثيل - خطبا دقيقة لأشهر الساسة والقادة . فلا الأطفال - بما استحافظوا من كلام الأئمة - أصبحوا رجالا ، ولا الببغاوات تحوّلت بشرا . وقد تجد من يحفظ ويفقه ، ويجادل ويغلب ، ولكن العلم في نفسه كعروق الذهب في الصخور المهملة ، لا يبعث على خير ، ولا يزجر عن شر .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري : 4 / 349 ، من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ : « ما بعث اللّه نبيا إلا رعى الغنم » . فقال أصحابه : وأنت ؟ فقال : « نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة » .